بنيامين التطيلي
84
رحلة بنيامين التطيلى
زمانهم وهي على التحريم . وإذا كان ذلك غير محرم على إبراهيم ومن تقدمه فليس النهى عنه لعينه ، أعني في جميع أوقات وجود عينه ، وإذا لزمكم أن تحريم الصناعة في يوم السبت ليس تحريما في جميع أوقات السبت ، فليس يمتنع أن ينسخ هذا التحريم في زمن آخر وإذا ظهر قائم بمعجزات الرسالة وأعلام النبوة في زمن آخر بعد فترة طويلة فجائز أن يأتي بنسخ كثير من أحكام الشريعة ، سواء حظر مباحاتها أو أباح محظوراتها . وكيف يجوز أن تحتاج بالبينة باعتراض فيما ورد به من أمر ونهي ، سواء وافق العقول البشرية أو باينها ، ولا سيما أن الخصوم قد طالما تعبدوا بفرائض مباينة للعقول ، كطهارة أنجاسهم برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها قبيل أوان الحج ، ونجاسة ظاهرهم بذلك الرماد بعينه . على أن الذي يروم تنزيله منزلة هذا أقرب كثيرا إلى العقل فإن الأفعال والأوامر الإلهية منزهة عن الوقوف عند مقتضى العقول البشرية . وإذا كانت التعبدات الشرعية غير عائدة بنفع لله عز وجل ، ولا دافعة عنه ضررا لتنزيهه سبحانه وتعالى عن الانتفاع والتأذي بشيء ، فما الذي يحيل أو يمنع كونه تعالى يأمر أمة بشريعة ، ثم ينهى أمة أخرى عنها ، أو يحرم محظورا على قوم ويحله لأولادهم ثم يحظره ثانيا على من يجيء بعدهم ؟ وكيف يجوز للمتعبد أن يعارض الرسول في تحليله ما كان حراما على قوم ، ويستدل بذلك على كذبه بعد أن جاء بالبينة ، وأوعب العقلاء تصديقه وتحكيمه ، أليس هذا تحكما وضلالا ، وعدولا عن الحق ؟ .